www.sunnaonline.org

11- عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب - بصوت الشيخ جيل صادق الأشعري

 

 

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ الأَقْوَالُ وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا لا تَنْحَصِرُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ أَوْ يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ أَوْ يَا عَديِمَ الدِّينِ مُرِيدًا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ أَوْ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ لَيْسَ بِدِينٍ لا عَلَى قَصْدِ التَّشْبِيهِ.

 

الشَّرْحُ أَنَّ الأَلْفَاظَ الَّتِي يَكْفُرُ مَنْ قَالَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا مَعَانِيَ تِلْكَ الأَلْفَاظِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِ الشَّخْصِ لِمُسْلِمٍ يَعْرِفُهُ مُسْلِمًا يَا كَافِرُ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ أَوْ يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا عَديِمَ الدِّينِ مُرِيدًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ فَذَلِكَ رِدَّةٌ تُخْرِجُ قَائِلَهَا مِنَ الدِّينِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الأَرْبَعَ مُتَأَوِّلًا أَيْ أَنَّكَ تُشْبِهُ الْكَافِرَ فِي خَسَاسَةِ أَعْمَالِكِ أَوْ أَنَّكَ تُشْبِهُ الْيَهُودَ أَوِ النَّصَارَى لِسُوءِ عَمَلِكَ أَوْ أَنَّكَ تُعَامِلُ الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّكَ كَافِرٌ أَوْ أَنَّكَ كَمَنْ لا دِينَ لَهُ أَيْ أَنَّكَ لَسْتَ عَامِلًا بِالدِّينِ كَمَا يَنْبَغِي لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْكَامِلَ هُوَ الَّذِي سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّ هَذَا حَرَامٌ يَفْسُقُ قَائِلُهُ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَالسُّخْرِيَّةِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ مِمَّنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ.

 

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَيِ اسْتَهْزَأَ أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ بِالْجَنَّةِ وَمَا أُعِدَّ فِيهَا مَثَلًا أَوْ سَخِرَ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِعَذَابِ الآخِرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَعْدُ أَوِ الْوَعِيدُ الَّذِي سَخِرَ بِهِ شَيْئًا لَيْسَ خَافِيًا عَلَيْهِ بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِوُرُودِهِ فِي دِينِ الإِسْلامِ فَقَدْ كَفَرَ وَذَلِكَ كَقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ جَهَنَّمَ نَتَدَفَّأُ بِهَا فِي الآخِرَةِ لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ نَارِ جَهَنَّمَ. وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ أَوْ سَخِرَ بِنَوْعٍ مِنَ الْوَعِيدِ يَجْهَلُ وُرُودَهُ فِي الشَّرْعِ مِمَّا هُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فَلا نُكَفِّرُهُ كَأَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ عَقَارِبَ فِي جَهَنَّمَ. وَكَذَلِكَ لا يَكْفُرُ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ فَأَنْكَرَ جَهَنَّمَ أَيْ مَا كَانَ يَسْمَعُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ دِينًا لَهُمْ أَمَّا الَّذِي كَانَ يَسْمَعُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَهَا فَهَذَا يَكْفُرُ.

 

تَنْبِيهٌ لَيْسَ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِوَعِيدِ اللَّهِ سَبُّ جَهَنَّمَ لِأَنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ مُعَظَّمَةً إِنَّمَا هِيَ شَىْءٌ شَدِيدٌ وَلَوْ كَانَتْ مُعَظَّمَةً مَا كُنَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ جَهَنَّمَ إِنَّهَا خَبِيثَةٌ إِنَّمَا الْكُفْرُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا لَيْسَتْ بِشَىْءٍ أَوْ هِيَ شَىْءٌ خَفِيفٌ. جَهَنَّمُ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهَا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَقُولُوهُ فِي الصَّلاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَمَّ جَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاءِ]. فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَثَلًا وَحَقِّ جَهَنَّمَ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا شَرَفٌ وَكَلِمَةُ «وَحَقِّ كَذَا» تُشْعِرُ بِشَرَفِ الشَّىْءِ الْمَذْكُورِ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَأَنْ يَقُولَ لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ بِكَذَا لَمْ أَفْعَلْهُ أَوْ لَوْ صَارَتِ الْقِبْلَةُ فِي جِهَةِ كَذَا مَا صَلَّيْتُ إِلَيْهَا أَوْ لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ الْجَنَّةَ مَا دَخَلْتُهَا مُسْتَخِفًّا أَوْ مُظْهِرًا لِلْعِنَادِ فِي الْكُلِّ.

 

الشَّرْحُ أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الأَلْفَاظِ يَكْفُرُ إِنْ قَالَهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْجَنَّةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ أَيْ عَدَمِ الِاسْتِسْلامِ لِلَّهِ. وَفِي الْغَالِبِ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ تُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِخْفَافِ لَكِنْ قَدْ يَقُولُهَا بَعْضُهُمْ وَلا يَفْهَمُ مِنْهَا الِاسْتِخْفَافَ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ الْجَنَّةَ مَا دَخَلْتُهَا لا بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ وَلا الْعِنَادِ إِنَّمَا يُرِيدُ مَثَلًا لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ الْجَنَّةَ أَكُونُ رَاضِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَنْ أَدْخُلَهَا فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَكَذَلِكَ مَنْ قِيلَ لَهُ افْعَلْ كَذَا فَقَالَ أَنَا لا أَفْعَلُ لِأَجْلِ قَوْلِ فُلانٍ لِي افْعَلْهُ إِذْ لَوْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ وَاجِبًا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ أَنَا مَا كُنْتُ أَفْعَلُهُ يُرِيدُ مِنْ تَقْصِيرِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْفَافٍ وَلا عِنَادٍ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَكَذَلِكَ مَنْ أَمَرَهُ شَخْصٌ بِالصَّلاةِ فَقَالَ لَوْ كَانَتِ الْقِبْلَةُ فِي جِهَةِ كَذَا مَا صَلَّيْتُ إِلَيْهَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ كَسَلِهِ لا يُصَلِّي مَهْمَا كَانَ ذَلِكَ سَهْلًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ وَلا الْعِنَادِ وَمَعَ كَوْنِهِ يُحِبُّ أَمْرَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَأَمَّا الَّذِي يَقُولُ أَيَّ لَفْظٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الثَّلاثَةِ اسْتِخْفَافًا بِأَمْرِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ أَوْ عِنَادًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِلا شَكٍّ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَأَنْ يَقُولَ لَوْ ءَاخَذَنِي اللَّهُ بِتَرْكِ الصَّلاةِ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ ظَلَمَنِي.

 

الشَّرْحُ لَوْ أَنَّ شَخْصًا مَرِيضًا ضَجِرَ مِنْ مَرَضِهِ فَقِيلَ لَهُ صَلِّ لا تَتْرُكِ الصَّلاةَ فَإِنَّهَا فَرْضٌ عَلَيْكَ فَقَالَ لَوْ ءَاخَذَنِي اللَّهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلاةِ وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ لَكَانَ ظَالِمًا كَفَرَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِاللَّهِ تَعَالَى وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لِفْعِلٍ حَدَثَ هَذَا بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ أَوْ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي الأَنْبِيَاءُ أَوِ الْمَلائِكَةُ أَوْ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ أَوْ قَالَ لا أَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوْ لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ.

 

الشَّرْحُ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِشَخْصٍ «حَدَثَ هَذَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ كُلُّ شَىْءٍ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ» فَقَالَ «أَنَا فَعَلْتُهُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ أَنَا فَعَلْتُهُ وَلَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ تَعَالَى» فَقَدْ كَفَرَ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَالَّذِي هُوَ شَرٌّ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَقْدِيرُ اللَّهِ لِلشَّرِّ لَيْسَ شَرًّا إِنَّمَا الشَّرُّ هَذَا الْمُقَدَّرُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ لِمَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فَالْعَبْدُ يُلامُ وَأَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلا يُلامُ لِأَنَّ الْعَبْدَ فَعَلَ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ أَمَّا اللَّهُ فَلا ءَامِرَ لَهُ وَلا نَاهِيَ. وَلا يُعْتَرَضُ عَلَى اللَّهِ لِتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَخَلْقُ اللَّهِ لِلشَّرِّ لَيْسَ شَرًّا قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا فِعْلُ الْقَبِيحِ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ. خَلْقُ اللَّهِ لِلشَّرِّ كَخَلْقِهِ لِلْخَيْرِ إِنَّمَا الْمَقْدُورُ أَيِ الْمَخْلُوقُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وَخَلَقَهُ الَّذِي هُوَ شَرٌّ أَيْ مَعْصِيَةٌ أَوْ مَكْرُوهٌ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ فِعْلُهُ. خَلْقُ الْمُتَقَابِلاتِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ فَخَلْقُهُ لِلأَدْوِيَةِ وَالسُّمُومِ الْقَتَّالَةِ لَيْسَ قَبِيحًا مِنْهُ بَلْ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ فَتَقْدِيرُ اللَّهِ لِلشَّرِّ لَيْسَ قَبِيحًا بَلْ حَسَنٌ كَمَا أَنَّ تَقْدِيرَهُ لِعَمَلِ الْخَيْرِ حَسَنٌ.

 

وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي الأَنْبِيَاءُ أَوِ الْمَلائِكَةُ أَوْ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ هُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِلا تَفْصِيلٍ. وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ قَالَ لا أَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِخْفَافَ بِالسُّنَّةِ بَلْ يَقْصِدُ أَنَّهُ لا يَفْعَلُ لِأَجْلِ قَوْلِ شَخْصٍ لَهُ افْعَلْ كَذَا أَيْ أَنَّهُ لا يُنَفِّذُ أَمْرَ هَذَا الشَّخْصِ فَلا يَكْفُرُ كَمَا لَوْ قِيلَ لِشَخْصٍ لِمَ تَتْرُكُ رَوَاتِبَ الْفَرَائِضِ وَلا تُصَلِّيهَا وَتَقْتَصِرُ عَلَى الْفَرَائِضِ فَقَالَ لا أُصَلِّيهَا وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الِاسْتِخْفَافَ بِهَا فَلا يَكْفُرُ كَمَا تَقَدَّمَ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ. وَيَكْفُرُ مَنْ قَالَ «لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ» لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ أَعْطَاهُ عَالِمٌ فَتْوَى فَقَالَ أَيْشٍ هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا الِاسْتِخْفَافَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ.

 

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَفَرَ أَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِخْفَافَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ إِنَّمَا قَصَدَ الإِنْكَارَ عَلَى هَذَا الْمُفْتِي الَّذِي أَفْتَى فَتْوًى بَاطِلَةً لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِشَرْعِ اللَّهِ فِي فَتْوَاهُ فَقَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِكَلامِ هَذَا الْمُفْتِيِّ كَأَنَّهُ يَقُولُ أَيْشٍ هَذَا الَّذِي تَزْعُمُهُ شَرْعًا وَلَيْسَ بِشَرْعٍ فَلا يَكْفُرُ وَبَاطِنُ كَلامِهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ شَرْعَ اللَّهِ إِنَّمَا رَأْيُكَ يَا أَيُّهَا الْمُفْتِيُّ. وَكَلِمَةُ أَيْشٍ أَصْلُهَا أَيُّ شَىْءٍ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ مُرِيدًا الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ أَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَلْ أَرَادَ لَعْنَ عُلَمَاءَ مَخْصُوصِينَ وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِمَا يَظُنُّ بِهِمْ مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

 

الشَّرْحُ كَلِمَةُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ رِدَّةٌ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الشُّمُولُ وَالِاسْتِغْرَاقُ لِكُلِّ الْعُلَمَاءِ وَالِاسْتِغْرَاقُ مَعْنَاهُ التَّعْمِيمُ أَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَلْ أَرَادَ لَعْنَ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ أَوْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لا يَعْلَمُ فِيهِمْ خَيْرًا وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ كَمَا لَوْ قَالَ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فِي هَذَا الزَّمَنِ» لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُمْ فَاسِدِينَ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَةِ فَالَّذِي يَقُولُ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ» مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ الشُّمُولَ كَأَنْ كَانَ ذَكَرَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عُلَمَاءَ فَاسِدِينَ فَقَالَ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ» فَيُحْمَلُ كَلامُهُ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ يَكُونُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ فَلا يَكْفُرُ. وَأَمَّا إِذَا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ الِاسْتِغْرَاقَ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَالْقَصْدُ وَحْدَهُ عِنْدَئِذٍ بِلا قَرِينَةٍ لا يَدْفَعُ عَنْهُ التَّكْفِيرَ وَالَّذِي لا يُكَفِّرُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ هُوَ يَكْفُرُ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَوْ مِنَ الإِسْلامِ.

 

الشَّرْحُ أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَكْفُرُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الْمَعْنَى وَلَوْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ لِأَنَّ الْغَضَبَ لَيْسَ عُذْرًا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنْ مَنْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنَ النَّبِيِّ إِذَا قَالَ أَنَا أَرَدْتُ الأَرْضَ الْمُرْتَفِعَةَ مَا أَرَدْتُ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا لا يَكْفُرُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا يَقُولُ. وَالشَّرِيعَةُ هِيَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِلأَنْبِيَاءِ وَهِيَ الأَحْكَامُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالْوَحْيِ، وَأَمَّا الدِّينُ فَهُوَ الْعَقِيدَةُ ، وَدِينُ الأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ هُوَ الإِسْلامُ.



رابط ذو صله : http://www.sunnaonline.org
القسم : عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب
الزيارات : 2041
التاريخ : 5/1/2014