www.sunnaonline.org

أبو موسى الأشعري

عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بنِ حَضَّارِ بنِ حَرْبٍ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو مُوْسَى الأَشْعَرِيُّ، الفَقِيْهُ، المُقْرِئُ. أُمُّهُ ظَبْيَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، كَانَتْ أَسْلَمَتْ، وَمَاتَتْ بِالمَدِيْنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَسْلَمَ أَبُو مُوْسَى بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ خَيْبَرُ. حَدَّثَ عَنْه: أَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيُّ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَسَعِيْدُ بنُ المُسَيَّبِ وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ. وَهُوَ مَعْدُوْدٌ فِيْمَنْ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورافق النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَمَلَ عَنْهُ عِلْمًا كَثِيْرًا. وَوَلِيَ إِمْرَةَ الكُوْفَةِ لِعُمَرَ، وَإِمْرَةَ البَصْرَةِ، وأَقْرَأَ أَهْلَ البَصْرَةِ، وَفَقَّهَهُمْ فِي الدِّيْنِ. وَهُوَ فَتَحَ مدينة تُسْتَرَ، (واسمها حاليا شوشتر في جنوب إيران)، وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوْسَى، قَالَ: خَرَجْنَا مِنَ اليَمَنِ فِي بضْعٍ وَخَمْسِيْنَ مِنْ قَوْمِي، وَنَحْنُ ثَلاَثَةُ إِخْوَةٍ: أَنَا، وَأَبُو رُهْمٍ، وَأَبُو عَامِرٍ، فَأَخْرَجَتْنَا سَفِيْنَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَعِنْدَهُ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ، فَأَقْبَلْنَا حِيْنَ افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ. فَقَالَ رَسُوْل اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَكُمُ الهِجْرَةُ مَرَّتَيْنِ، هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ). وفِي (الصَّحِيْحَيْنِ): عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوْسَى، عَنْ أَبِيْهِ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيْمًا).

وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ، هُمْ أَرَقُّ قُلُوْبًا لِلإِسْلاَمِ مِنْكُمْ). فَقَدِمَ الأَشْعَرِيُّوْنَ، فَلَمَّا دَنَوْا، جَعَلُوا يَرْتَجِزُوْنَ: غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّهْ * مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ، فَلَمَّا أَنْ قَدِمُوا، تَصَافَحُوا. فَكَانُوا هم أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ المُصَافَحَةَ. رواه الإمام أحمد في مسنده. وأخرج الحافظ ابن عساكر فى تبيين كذب المفترى والحاكم فى المستدرك لَمَا نَزَلَتْ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المَائِدَةُ: 57]؛ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هُمْ قَوْمُكَ يَا أَبَا مُوْسَى)، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قال القشيرى: فأتباع أبى الحسن الأشعرى من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع، قاله القرطبى فى تفسيره. وقال البيهقى: وذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبى الحسن الأشعرى رضى الله عنه فهو من قوم أبى موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصًا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة بإظهار الحجة ورد الشبهة ".ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري.

وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ لَهُ: أَبْشِرْ فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلا أَنْتُمَا قَالا: قَبِلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا، فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلا، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلا لأُمِّكُمَا، فَأَفْضَلا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.(أي بقية). رواه البخاري ومسلم. (قدح) ما يشرب فيه. (مج فيه) صب ما تناوله من الماء بفمه في الإناء.والغرض بذلك إيجاد البركة بريقه المبارك. (لهما) لأبي موسى وبلال رضي الله عنهما. (نحوركما) جمع نحر، وهو موضع القلادة من الصدر. وفي الحديث: فضيلة ظاهرة لأبي موسى وبلال وأم سلمة -رضي الله عنهم-. وفيه: استحباب البشارة واستحباب الازدحام فيما يتبرك به وطلبه ممن هو معه والمشاركة فيه.

وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ قَائِمٌ، وَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لِي: (يَا بُرَيْدَةَ، أَتَرَاهُ يُرَائِي؟).قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (بَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ مُنِيْبٌ، لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيْرِ آلِ دَاوُدَ). فَأَتَيْتُهُ، فَإِذَا هُوَ أَبُو مُوْسَى؛ فَأَخْبَرْتُهُ.
وقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ" رواه البخاري في باب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ. وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، أَوِ الأَشْعَرِيَّ، أُعْطِيَ مِزْمَارًَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ". رواه مسلم في باب استحباب تحسين الصَّوت بالقرآن.

قال العلماء: المراد بالمزمار هنا: الصَّوت الحسن. وأصل الزَّمر: الغناء، وآل داود هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق عَلَى نفسه، وكان داود صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حسن الصَّوت جدًّا. قال القاضي عياض: أجمع العلماء عَلَى استحباب تحسين الصَّوت بالقراءة وترتيلها. قال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك محمولة عَلَى التَّحزين والتَّشويق. ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم " أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي صَلَّى الله عليه وسلم صوته - وكان حلو الصوت - فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، فقال:لَوْ عَلِمْتُ لحبَّـرتُه لهن تَحْبِيْرًا ".
يريد تحسين الصَّوت. وحَبَّرتُ الشَّيء تَحْبِيرًا إِذا حَسَّنْتُه. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: مَا سَمِعْتُ مِزْمَارًا وَلاَ طُنْبُوْرًا وَلاَ صَنْجًا أَحْسَنَ مِنْ صَوْتِ أَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ؛ إِنْ كَانَ لَيُصَلِّي بِنَا فَنَوَدُّ أَنَّه قَرَأَ البَقَرَةَ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ. والطنبور ءالة تشبه العود، والصَنْج هو آلة تتخذ من نحاس كالطبقين يضرب أحدهما بالآخر. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ سِتَّةٍ: عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ، وَزَيْدٍ، يُشْبِهُ عِلْمُهُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَانَ عَلِيٌّ، وَأُبَيٌّ، وَأَبُو مُوْسَى يُشْبِهُ عِلْمُهُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، يَقْتَبِسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَقَالَ دَاوُدُ: عَنِ الشَّعْبِيِّ: قُضَاةُ الأُمَّةِ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَزَيْدٌ، وَأَبُو مُوْسَى.

بعض مروياته عن النبي

عن أبي موسى الأشعري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ، إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً. رواه البخاري ومسلم.

فيه: تمثيله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (الكِيرُ: كِيرُ الحدّاد، وهو زِقّ أَو جلد غليظ ذو حافاتٍ ينفخ فيه الحداد النار). وفيه: فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر، وأهل البدع ومن يغتاب الناس، أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة.
ومعنى (يُحْذِيَكَ): يعطيك وهو بالحاء المهملة والذال. وفيه: طهارة المسك واستحبابه وجواز بيعه، وقد أجمع العلماء على جميع هذا، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستعمله في بدنه ورأسه ويصلي به ويخبر أنه أطيب الطيب، ولم يزل المسلمون على استعماله وجواز بيعه.

وعن عبد الله بن قيس وهو أبو موسى الأشعري: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (إن أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، وإنهم ليبكون الدم). صححه الحاكم وأقره الذهبي.

رحم الله أبا موسى الأشعري، لقَدْ كَانَ صَوَّامًا، قَوَّامًا، زَاهِدًا، عَابِدًا، مِمَّنْ جَمَعَ العِلْمَ وَالعَمَلَ وَسَلاَمَةَ الصَّدْرِ، لَمْ تُغَيِّرْهُ الإِمَارَةُ، وَلاَ اغْتَرَّ بِالدُّنْيَا. َمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ.


رابط ذو صله : http://www.sunnaonline.org
القسم : ســـــير وتــــــراجم
الزيارات : 2116
التاريخ : 11/2/2011