www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org


12- عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب - بصوت الشيخ جيل صادق الأشعري

 

 

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لا أَعْرِفُ الْحُكْمَ مُسْتَهْزِئًا بِحُكْمِ اللَّهِ.

 

الشَّرْحُ: أَنَّ مَنْ قَالَ لا أَعْرِفُ الْحُكْمَ بَعْدَمَا حَكَمَ عَلَيْهِ قَاضٍ شَرْعِيٌّ مَثَلًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَكَانَ قَصْدُهُ الِاسْتِخْفَافَ بِالشَّرْعِ وَأَنَّهُ لا يَعْتَبِرُ هَذَا الْحُكْمَ فَإِنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ وَقَدْ مَلأَ وِعَاءً ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [سُورَةَ النَّبَأ].

 

الشَّرْحُ: أَنَّ مَنْ قَالَ وَهُوَ يَمْلاُ وِعَاءً شَرَابًا ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْكَأْسِ الْمُمْتَلِىءِ شَرَابًا هَنِيئًا فَقَدْ كَفَرَ كَأَنْ يَعْنِيَ بِكَلامِهِ أَنَّ ذَاكَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مِثْلُ هَذَا الَّذِي أَنَا أَمْلَؤُهُ. وَمَعْنَى ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ أَيْ كَأْسًا مُمْتَلِئَةً بِالشَّرَابِ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ أَفْرَغَ شَرَابًا فَقَالَ ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [سُورَةَ النَّبَأ].

 

الشَّرْحُ: أَنَّ مَنْ أَفْرَغَ شَرَابًا كَأَنْ كَانَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى إِنَاءٍ ءَاخَرَ فَقَالَ ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ اسْتِخْفَافًا بِالآيَةِ كَفَرَ. وَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا أَنَّ الْجِبَالَ حِينَ تُسَيَّرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ كَالسَّرَابِ مَعْنَاهُ تَمُرُّ مُرُورًا سَرِيعًا كَمَا أَنَّ السَّرَابَ كُلَّمَا اقْتَرَبْتَ مِنْهُ يَبْعُدُ فَمَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الآيَةَ عِنْدَ إِفْرَاغِ الشَّرَابِ وَقَصَدَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا لَهُ شَأْنٌ يَكْفُرُ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ عِنْدَ وَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ].

 

الشَّرْحُ: أَنَّ مَنْ قَالَ عِنْدَمَا يَزِنُ شَيْئًا أَوْ يَكِيلُ شَيْئًا ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَعْنَى الآيَةِ كَفَرَ. وَهَذِهِ الآيَةُ مَعْنَاهَا ذَمٌّ لِلَّذِينَ إِذَا كَالُوا لِلنَّاسِ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ يَنْقُصُونَ عَلَيْهِمْ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ عِنْدَ رُؤْيَةِ جَمْعٍ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ [سُورَةَ الْكَهْفِ].

 

الشَّرْحُ: أَنَّ الَّذِي يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٍ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ كَفَرَ. وَهَذِهِ الآيَةُ وَرَدَتْ فِي حَشْرِ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ وَلا يُتْرَكُ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَيْ يُحْشَرُونَ كُلُّهُمْ بِلا اسْتِثْنَاءٍ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ فِي الْكُلِّ بِمَعْنَى هَذِهِ الآيَاتِ وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ اسْتُعْمِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْقَصْدِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ لا تَبْعُدُ حُرْمَتُهُ.

 

الشَّرْحُ: يَقُولُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ إِيرَادُ الآيَاتِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ لا يَبْعُدُ أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْحُرْمَةِ أَيْ هُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ الْقُرْءَانِ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ فَهُوَ كُفْرٌ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ قَالَ أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّيْتُ أَوْ مَا أَصَبْتُ خَيْرًا مُنْذُ صَلَّيْتُ أَوِ الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِي بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ.

 

الشَّرْحُ: أَنَّ مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلامِ وَلا فَرْقَ فِي سَبِّ الْمَلَكِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَلَكُ جِبْرِيلَ أَوْ عَزْرَائِيلَ أَوْ غَيْرَهُمَا. وَمِثْلَهُ الَّذِي يَقُولُ أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّيْتُ فَإِنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِالصَّلاةِ وَاسْتَخَفَّ بِهَا وَلِذَلِكَ يَكْفُرُ، وَالْقَوَّادُ هُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الزَّبَائِنَ لِلزَّانِيَاتِ. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ مَا أَصَبْتُ خَيْرًا مُنْذُ صَلَّيْتُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَوَامِّ صُمْ وَصَلِّ تَرْكَبُكَ الْقِلَّةُ. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِي بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ. أَمَّا لَوْ قَالَتِ امْرَأَةٌ حَائِضٌ الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِي وَقَصْدُهَا أَنَّهُ لا تَجُوزُ لَهَا الصَّلاةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ رِدَّةً وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ إِنْسَانٌ مُبْتَلًى بِسَلَسِ الْبَوْلِ جَاهِلٌ لا يَعْرِفُ أَحْكَامَ السَّلَسِ يَظُنُّ أَنَّهُ لا يُصَلِّي فِي حُكْمِ الشَّرْعِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ السَّلَسُ فَلا نُكَفِّرُهُ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لِمُسْلِمٍ أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ نَبِيِّكَ أَوْ لِشَرِيفٍ أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ جَدِّكَ مُرِيدًا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يَقُولَ شَيْئًا مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الْبَشِعَةِ الشَّنِيعَةِ.

 

الشَّرْحُ: أَنَّ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ الْمُثْبِتَةِ لِلرِّدَّةِ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِمُسْلِمٍ أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ نَبِيِّكَ وَالِاسْتِخْفَافُ فِي هَذَا ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ يُكَفَّرُ قَائِلُهُ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي بِكُفْرِ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ سُحْنُون الْمَالِكِيُّ «مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَعَذَابِهِ كَفَرَ» فَإِنْ كَانَ هَذَا فِي سَابِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ فِي سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ الَّذِي قَالَ لِشَرِيفٍ أَيْ لإِنْسَانٍ حَسَنِيٍّ أَوْ حُسَيْنِيٍّ أَيْ مَنْسُوبٍ إِلَى الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيِ ابْنَا بِنْتِهِ فَاطِمَةَ أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ جَدِّكَ هَذَا إِذَا أَرَادَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ جَدِّكَ عِنْدَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا كُفْرًا أَمَّا إِذَا أَرَادَ جَدًّا لَهُ أَدْنَى وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلا نُكَفِّرُهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالنَّبِيِّ أَوْ إِلْحَاقِ نَقْصٍ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَوْ بِاللَّهِ كَالأَلْفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ الأَزَلِيَّةِ كَأَنْ تَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ شَاءَ فِي الأَزَلِ حُدُوثَ شَىْءٍ ثُمَّ غَيَّرَ تِلْكَ الْمَشِيئَةَ وَكَأَنَّ يَعْتَقِدَ بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ كَذَا ثُمَّ عَلِمَهُ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ فَمِنَ الأَلْفَاظِ الْكُفْرِيَّةِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ فُلانَةَ ذَكَرًا ثُمَّ خَلَقَهَا أُنْثَى وَعَكْسُهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ نِسْبَةَ الْجَهْلِ إِلَى اللَّهِ وَنِسْبَةَ تَغَيُّرِ الْمَشِيئَةِ الأَزَلِيَّةِ وَاللَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فِي ذَاتِهِ أَوْ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَلامَةُ الْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ يُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ. وَمَا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ مِنَ النُّصُوصِ خِلافَ ذَلِكَ هُوَ مُتَأَوَّلٌ لا يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ الظَّاهِرُ.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ عَدَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ كَالْفَقِيهِ الْحَنَفِيِّ بَدْرِ الرَّشِيدِ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَالِكِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فَيَنْبَغِي الِاطِّلاعُ عَلَيْهَا فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ.

 

الشَّرْحُ: أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ مِنْ شَافِعِيِّينَ وَمَالِكِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ ذَكَرُوا كَثِيرًا مِمَّا هُوَ رِدَّةٌ وَأَكْثَرُهُمْ تَعْدَادًا الْحَنَفِيَّةُ. أَمَّا بَدْرُ الرَّشِيدِ فَهُوَ فَقِيهٌ حَنَفِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ الْهِجْرِيِّ أَلَّفَ رِسَالَةً فِي أَلْفَاظِ الْكُفْرِ وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَهُوَ مَالِكِيٌّ تُوُفِّيَ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ. كُلٌ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ أَلَّفَ بَعْضُ فُقَهَائِهِ رَسَائِلَ فِي بَيَانِ الْكُفْرِيَّاتِ لِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ فِي عُصُورِهِمْ كَلِمَاتٌ بَيْنَ النَّاسِ هِيَ كُفْرٌ فَأَرَادُوا إِنْقَاذَ النَّاسِ مِنْ خَطَرِهَا فَأَلَّفُوا تِلْكَ الرَّسَائِلَ وَهَذَا مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِنْقَاذًا لِمَنْ حَصَلَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الإِيْمَانِ وَتَحْذِيرًا لِمَنْ لَمْ يَقَعْ فِيهَا حَتَّى لا يَقَعْ فِيهَا.

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِاللَّهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَعَائِرِهِ أَوْ مَعَالِمِ دِينِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ كُفْرٌ فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.

 

الشَّرْحُ: أَنَّ مَا كَانَ دَالًّا عَلَى الِاسْتِخْفَافِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِاللَّهِ وَأُمُورِ الدِّينِ هُوَ كُفْرٌ أَمَّا مَا كَانَ فِيهِ إِخْلالٌ بِالتَّعْظِيمِ وَالأَدَبِ مِمَّا هُوَ دُونَ الِاسْتِخْفَافِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءِ. وَالْعَقْدُ مَعْنَاهُ الِاعْتِقَادُ. وَالْمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ وَالشَّعَائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَالْمَعْلَمُ بِمَعْنَى الشَّعِيرَةِ وَهُوَ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالأذَانِ وَالْمَسَاجِدِ وَعِيدِ الأَضْحَى وَعِيدِ الْفِطْرِ، كُلُّ ذَلِكَ يُسَمَّى شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ وَمَعْلَمًا مِنْ مَعَالِمِهِ.

 

وَقَالَ الْفُقَهَاءُ يُسْتَثْنَى مِنَ الْكُفْرِ الْقَوْلِيِّ حَالَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ أَيْ أَنْ يَتَكَلَّمَ الشَّخْصُ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ بَلْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ قَوْلَهُ بِالْمَرَّةِ، وَحَالَةُ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ أَيْ عَدَمِ صَحْوِ الْعَقْلِ، وَحَالَةُ الإِكْرَاهِ فَمَنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيْمَانِ غَيْرَ شَارِحٍ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ فَلا يَكْفُرُ، وَحَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ فَلا يَكْفُرُ الْحَاكِي كُفْرَ غَيْرِهِ. ثُمَّ الْحِكَايَةُ الْمَانِعَةُ لِكُفْرِ حَاكِي الْكُفْرِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ الَّتِي يَحْكِيهَا عَمَّنْ كَفَرَ أَوْ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْكَلِمَةَ عَقِبَهَا أَيْ وَكَانَ فِي نِيَّتِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ أَدَاةَ الْحِكَايَةِ مِنَ الِابْتِدَاءِ فَلَوْ قَالَ اللَّهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ قَوْلُ الْمُجَسِّمَةِ أَوْ قَالَتْهُ الْمِجَسِّمَةُ فَهِيَ حِكَايَةٌ مَانِعَةٌ لِلْكُفْرِ عَنِ الْحَاكِي. وَإِنْ قُدِّمَتْ أَدَاةُ الْحِكَايَةِ لِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَهِيَ أَحْسَنُ.

 

وَتُسْتَثْنَى حَالَةُ كَوْنِ الشَّخْصِ مُتَأَوِّلًا بِاجْتِهَادِهِ فِي فَهْمِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ الْمُتَأَوِّلُ أَيْ فِي غَيْرِ الْقَطْعِيَّاتِ كَتَأَوُّلِ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ صَلاتَهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ كَانَتْ سَكَنًا لَهُمْ وَطُهْرَةً وَأَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُكَفِّرُوهُمْ لِذَلِكَ. وَلَيْسَ كُلُّ مُتَأَوِّلٍ يَمْنَعُ عَنْهُ تَأْوِيلُهُ التَّكْفِيرَ لِأَنَّ التَّأَوُّلَ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ لا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ عَنْ صَاحِبِهِ وَإِلَّا لِلَزِمَ تَرْكُ تَكْفِيرِ الْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ عَلَى حَسَبِ زَعْمِهِمِ اجْتَهَدُوا فَالَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مُتَأَوِّلٍ يُعْذَرُ مَهْمَا كَانَ تَأَوُّلُهُ فَقَدْ كَذَّبَ الشَّرِيعَةَ.

 

وَمَعْنَى «فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ» أَيْ لِيَعْمَلِ الإِنْسَانُ عَلَى تَجَنُّبِ ذَلِكَ كُلِّهِ غَايَةَ مُسْتَطَاعِهِ.



رابط ذو صله : http://www.sunnaonline.org
القسم : عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب
الزيارات : 765
التاريخ : 19/1/2014