www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org


التكبر والفخر صفتان مذمومتان

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه أجمعين. أما بعد فيقول الله عزّ وجل في ذم الكبر وذمّ كل جبار متكبر (سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الأعراف / 146، وقال عزّ وجل (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) لقمان / 18. فالكِبَرَ إخوة الإيمان صِفَةٌ مَذمومةٌ. وقد نهى الله تعالى عنه في القرءان الكريم بآيات منها ما ذكرناه، وقد بين لنا رسوله الكريم في أحاديث كثيرة معناه وعاقبتَه وأنَّ الكِبْر يكون في كثير من الأحيان سببًا لمشاكل تعترض الكثيرين في حياتهم الدنيوية فضلاً عما يؤدي بصاحبه إليه من العذاب الأليم في الآخرة.

 

والكبر هو ما عَرَّفَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "بَطْرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" رواه مسلم. ومعنى بطر الحق أي رَدُ الحَقِ عَلى قَائِلِهِ مع العلم بأن الصَوَابَ مع القائل لنحو كون القائل صغير السن، فيستعظم أن يرجع إلى الحق من أجل أن قائله فقير أو صغير السن أو لأن الذي رَدَ عليه من الخاملين، أي ليس من المشهورين البارزين والذي رُدَّ عليه من البارزين. وغمط الناس أي ازدراؤهم واحتقارهم واستصغارهم، كأن يتكبر على الفقير وينظر إليه نظر احتقار، أو يترفع عليه في الخطاب، يستعظم نفسه فيرى الناس دونه وهو فوقهم وأفضل منهم.

 

وورد أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ألا أُخبركم بأهل النار كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستكبر" متفق عليه. والعُتُلُّ هو الغليظ الجافي، والجوّاظ هو الجَموع المَنوع أي المُتكالب على جمع المال من أي طريق كان حلال أم من حرام. والمَنوع الذي يمنع دفع المال في ما أوجبه الله فيه كالذي لا يدفع الزكاة الواجبة عليه بعد استحقاقها لغير عذر.

 

والكبر أحبابنا من معاصي القلب ومعاصي القلب كثيرة، فالمؤمن الذي يموت ولم يتب من هذا الداء فهو تحت مشيئة الله عَزَّ وَجَلْ إن شاءَ اللهُ عَذَّبَهُ وإن شاءَ غَفَرَ لَهُ ولو عَذَّبَهُ لا يُخَلِدُهُ في نَارِ جَهَنم. ومعنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم "لا يَدخُلُ الجنةَ مَنْ كاَنَ في قَلبِهِ مِثْقَاُل ذَرَةٍ مِنْ كِبر" رواه أحمد، أي لا يدخلها مع الأولين – إن لم يتب إلى الله – أي المؤمن الذي مات وكان في قَلبِهِ مِثْقَاُل ذَرَةٍ مِنْ كِبر لا يدخلها بدون عذاب بل يُعَذَّبْ في النَّارِ ثم يخرج منها إلى جنة النعيم. (والذرةُ أي الهَبَاءُ الذي يُرى عند دخول ضوءِ الشمسِ من الكوة إلى الغرفة المظلمة).

 

ومن شؤم الكِبْر وقُبح الكِبْر أنَّ رجلاً أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبختر في برديه قد أعجبته نفسه (أي يمشي مشية المتكبرين) فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (أي يغوص فيها إلى يوم القيامة)، فتأملوا هذا إخوة الإيمان والإسلام وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وانظروا كيف عوقب هذا الرجل لكبره، فإن كان عندك شئ من الكبر فانزعه من قلبك وتب إلى الله منه ومن غيره من المهلكات، فإنها سم قاتل مهلك، قبل أن يأتيك ملك الموت فجأة فيقبض روحك وتمضي إلى تلك الحفرة مرتهنًا بعملك. ويروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلّب وهو يتبختر في جُبة خزّ فقال: يا عبد الله، هذه مشية يبغضها الله ورسوله. فقال له المهلّب: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك، أولك نطفة مذرة، وءاخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة. فمضى المهلّب وترك مشيته تلك.

 

وأما يوم القيامة أيها الأحبة، فقد ورد عن عذاب المتكبرين في ذلك اليوم أنهم يحشرون كأمثالِ الذّرِ (أي النمل الأحمر الصغير) على صور الرجال يطؤهم الناس بأقدامهم ولا يموتون وذلك بعد أن ذاقوا الموت في الدنيا. واعلم يا ابن ءادم، أن المتكبرين أقسام: قسم يتكبرون على الله تعالى، فوصل بهم كبرهم إلى الكفر، كما حصل للنمرود الذي أدعى الألوهية وكفر بالله، فقتله الله بمخلوق من أضعف مخلوقاته هو البعوضة. وفرعون وهامان كبرهم حجبهم عن الإيمان بالله تعالى ربًا وبموسى رسولاً، ففرعون اللعين تكبر على موسى وعلى ربّ موسى فبقي على الكفر، روي أنه شاور وزيره هامان بالإيمان بموسى فقال له هامان: بينما أنت رب تُعْبَدُ (بزعمه) إذ صرت عبدًا تَعْبُدُ؛ فاستمر على كفره وضلاله والعياذ بالله. وَكِبَر كُفارُ قُرَيش منعهم من الإيمان برسولِ اللهِ مُحَمَّدْ وبالقُرءان إذ أنهم عرفوا أن محمدًا صلى اللهُ عَليهِ وسَلَمْ جَاءَ بِالحَقِ وَمَعْ ذَلِكَ ردوا دعوتَه وعارضوه كي لا يقال عنهم تركوا ما كان عليه ءابائهم وهم أسياد عندهم حينذاك واتبعوا النبي الأمي بدعوى أن من اتبعه غالبهم من الفقراء والضعفاء. وَكِبْر إبليس جَرَهُ إلى الكفر، تكبره على ءادم والحسد له كانا سببًا لهلاكه أبد الآباد، قال عز وجل مخبرًا عنه (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) سورة ص / 76.

 

ومن الكبر الكبر بالمال وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم، وبين الدهاقين (التجار الأغنياء المُلاّك للأراضي) في أراضيهم، وبين المتجملين في لباسهم، وخيولهم ومراكبهم. فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه ويقول له: أنت مُكْدٍ ومسكين، وأنا لو أردت لاشتريت مثلك، واستخدمت من هو فوقك، ومن أنت وما معك، وأساس بيتي يساوي أكثر من جميع مالك، وأنفق في اليوم ما لا تأكله في سنة.

 

ومن التكبر الكبر بالقوة وشدة البطش، والتكبر به على أهل الضعف والتكبر بالعشيرة والبنين والأقارب والغلمان والأنصار. ومن التكبر التكبر بالحسب والنسب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول "من بَطّأ به عمله لم يسرع به نسبه" رواه مسلم. فيتكبر بعض الناس فيرى أن الناس له أموال وعبيد، ويأنف مخالطتهم ومجالستهم. وثمرته على اللسان التفاخر بنسبه فيقول لغيره: من أنت ومن أبوك فأنا فلان بن فلان، وأين لمثلك أن يكلمني أو أن ينظر إلي ومع مثلي تتكلم!

 

ومن التكبر التكبر بالجمال ويدعو ذلك إلى التنقيص والثَلْب (التصريح بالعيب فيه) والغيبة. وذكر عيوب الناس، ويغفل المتكبر بجماله والمتفاخر به أنه سيصير ترابًا في القبر، وأن جماله كخضراء الدُّمن وكلون الأزهار في البوادي، فبينما هو هناك إذ صار هشيمًا تذروه الرياح، وكم من جميل محا الموت جماله وصار في قبره فحمًا أسود وحرّق في قبره وصارت رائحته أنتن من الجيفة المنتنة. *خضراء الدُّمن هي نبتة خضراء تنبت على المزابل الرسول وصفها بأنها خضراء لكنها تنبت على المزابل.

 

فاحرصوا عباد الله على تصفية قلوبكم من هذا الداء المفسد والصفة المذمومة. ومن كان على هذا الخُلُقِ الذميم فليداوِ نفسه الأمارة بالسوء بخدمة الفقراء والمحتاجين من المسلمين وبترك التعالي عليهم والالتزامِ بِقَبولِ الحَقِ سواء كان صادرًا من كبير أو صغير، أو أمير. وقد حثَّنا الله تعالى على التواضع والانكسار، وسيد المتواضعين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم علَّمنا بالحال والمقال كيف نتواضع لإخواننا ونتلطَّف معهم ابتغاء الأجر من الله، فاخفض جناحك لإخوانك واقض حوائجهم واخدمهم وتطاوع معهم فيما يُرضي الله، فالمؤمن كالجمل الأنف وهو هذا الذي يوضع في أنفه حلقة إذا انقيد انقاد وإذا استنيخ على صخرة استناخ ولو كان الذي يقوده ولدًا صغيرًا. المؤمن يتطاوع مع إخوانه فيما يرضي الله مع الصغير والكبير.

 

فقد رُوِيَ إخوة الإيمان ما يحثنا على التعلُّق بخدمة المسلمين أنه ذات يوم أصاب الناس قحط ودخل الناس المسجد يصلُّون صلاة الاستسقاء وكان في المسجد رجل صالح يراقب المصلين فرأى شخصًا ضعيف البنية صلى في زاوية المسجد وما أن رفع يديه بالدعاء حتى نزل المطر، فلحقه ومشى خلفه، فلما دخل متجرًا يبيعون فيه العبيد دخل خلفه وسأل صاحب المحل عبدًا يشتريه فصار يريه الواحد تلو الآخر فقال له: ليس هذا طلبي، فردَّ عليه صاحب المتجر نفذ ما عندي، فقال هذا الرجل الصالح: لكني رأيت شخصًا دخل الآن صفته كذا وكذا. فقال صاحب المحل هذا لا أبيعه فإنه منذ شريته والله بارك لي في تجارتي، فأصر عليه حتى اشتراه منه، ولما أخذه ومشى معه قال هذا العبد لم اشتريتني؟ فأنا ضعيف ولا أستطيع خدمتك، جسدي لا يساعدني لا أستطيع القيام بخدمتك. فقال له هذا الرجل الصالح: أَنا اشتريتك لأخدمك. حينها رفع العبد الصالح يديه وقال: اللَّهُمَّ إنه انكشف السر الذي بيني وبينك فاقبضني إليك غير مفتون فما انتهى هذا العبد الصالح من دعائه حتى مات رضي الله عنه. نعم فهذا الرجل عرف قيمة هذا الشخص العبد وصلاحه فأراد خدمته لله تبارك وتعالى.

 

الخدمةُ إخوة الإيمان، تُعوّدك وتشجعك على الانضمام لركب العاملين بالدعوة إلى الله، بحسب ما تستطيع من وقت ومهارات. الخدمةُ أيها الأحبة تُعَلّم كسر النفس والتواضع والتطاوع والانكسار. الخدمةُ معشر المسلمين تجعل بينكم الإلفة والمحبة والتودد والأنس والتراحم والتقارب. الخدمةُ تفيدك أخي المسلم لأجل ءاخرتك من الثواب. وروي أن رجلاً كان معلق القلب بخدمة إخوانه لوجه الله تعالى ولما كان في الغزو ذات يوم قام يخدم إخوانه ثم قتل في أرض المعركة، ولما قاموا بحمل قتلاهم وجدوه بين القتلى، وجدوه قتيلاً وقد حُفِر على يده "من أهل الجنة". بالخدمة يا صاح يندفع بها عن صاحبها الكسل والكثير من الأمراض. الخدمةُ تُعينك على التفكر ب:من أنا؟! من أنا بالنسبة لكبار الأتقياء؟ من أنا بالنسبة لمن اشتهر بالتواضع كسيدنا أحمد الرفاعي؟! الذي كان أحيانًا يخرج من بيته ليقود العميان إلى حيث يريدون، وكان رضي الله عنه يضرب به المثل في التواضع، حتى إنه مرة نزل صابئي – والصَّابئة طائفة من الكفار - من شدة ما كان تعب في طلب بقرة له ضاعت ثلاثة أيام صار يدور يفتش عليها ثم أرهقه التعب والجوع فرمى جانبه في زاوية سيدنا أحمد هذه الزاوية كانت مسافة واسعة جدًا عليها سقف لكن مفتوحة، جاء سيدنا أحمد - الله ألهمه - فقال له: يا هذا أراك رجلاً غريبًا تعبًا. أتاه بالدقيق والماء لأن هذا الصنف من الكفار من شدة بغضهم للمسلمين لا يأكلون خبزًا خبزه مسلم قال له: اعجن هذا الدقيق ثم اخبزه، وهيأ له أداة الخبز، ثم بعد أن أكل وارتاح وكّل به من يأخذه إلى سفينته التي يعبر بها إلى بلدته – نهر دجلة – هذا الكافر وصل إلى أهله فسألوه: كيف كانت غيبتك هذه؟ فقص عليهم ما عامله به سيدنا أحمد الرفاعي فقال: هذا الدِّين الحق، فأسلم وأسلم أهله وأسلم أناس ءاخرون من الكفار. كان معروفًا رضي الله عنه بشدة الشفقة على خلق الله تعالى، فرحمه الله رحمةً واسعةً ونفعنا الله به وأمدنا بأمداده وجزاه عن المسلمين خيرًا. اعمل أخي وجد في عملك، أدّ الواجبات واجتنب المحرمات وأكثر من النوافل وأكثر من خدمة المسلمين ولا تقل أنا لست من الكمّل فتقعد وتترك العمل بخدمة إخوانك بل كن خادمًا لإخوانك المسلمين واعمل على تفريج كرباتهم. قال عليه الصلاة والسلام "لا تَحقِرَنَّ مِنَ المعرُوفِ شيئًا ولو أن تلقى أخَاكَ بوجهٍ طَلِقٍ".

 

وإن لنا أحبابنا أيضًا في سيرة الخلفاء الراشدين صورًا مشرقة ونماذجَ طيبة في التواضعِ وخَفْضِ الجناحِ وخدمةِ الفقراء والمحتاجين. وها هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة في عهد خلافته كان ذات يوم خرج لصلاة الجمعة لابسًا ثياب يسن أن يلبسها المسلم يوم الجمعة، وهو في طريقه ذاهب إلى المسجد نزل عليه ماء من ميزاب العباس رضي الله عنه عم رسول الله، وكان ذُبِحَ له فرخان على السطح وأُسيل عليهما الماء فهذا الماء نزل على ثوب سيدنا عمر، سيدنا عمر رجع إلى البيت وغسل ما أصابه من هذا الماء، ولبس ثيابًا أخرى ثم أمر بإزالة هذا الميزاب الذي انصب عليه منه الماء الذي نزل عليه، فأزيل. فقال العباس رضي الله عنه "إِنَّ الرسول هو الذي نصب هذا الميزاب"، فقال سيدنا عمر "يعاد إلى ما كان عليه"، ثم جاء سيدنا عمر فقال للعباس "اركب على كتفي وانصبه أنت"، ألح عليه عزم عليه وهو أمير المؤمنين جلس له، فالعباس ركب على كتفيه فأعاد ذلك الميزاب كما كان، الصحابة الأكابر كلهم كانوا متواضعين ولكن بعض الصحابة الذين أسلموا بعد الفتح ما كانوا بتلك الصفة التي كان عليها أولئك الأكابر، لذا خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع"، ويعني أمثالهم أيضًا. ومعنى" أفضل العبادة التواضع" أن التواضع من أفضل الحسنات ليس معناه أنه أفضل الحسنات على الإطلاق إنما أفضل الحسنات على الإطلاق الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

أخي المسلم ، عوّد نفسك على التواضع وعلى قبول الحق كائنًا من كان قائله، وإياك والتكبر على عباد الله فإن التكبر دَاءٌ مُفسِدٌ خطير وصاحبُه لِهواه أسير. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المقتدين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الأعلام وبمن تبعهم بإحسان. اللَّهُمَّ ارزقنا التواضع والتطاوع مع إخواننا المؤمنين، اللهمّ يسّر لنا العمل في خدمة المسلمين.



رابط ذو صله : http://www.sunnaonline.org
القسم : الخــطب والـــدروس
الزيارات : 5299
التاريخ : 26/12/2013